السيد محمد الصدر
220
تاريخ الغيبة الصغرى
وأما نوح عليه السلام ، فقد قضى المئات من السنين مرشدا واعظا ، فلم يؤثر في الناس أثرا محسوسا حتى شكا إلى اللّه تعالى قائلا : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً . وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً « 1 » . حتى اضطر إلى أن يدعو عليهم بالهلاك ، فاستجاب اللّه تعالى دعاءه وأغرقهم بالطوفان . وليس هناك وضوح في النصوص التاريخية في تحديد مقدار ما استطاع نوح عليه السلام اكتسابه من المؤمنين بعد الطوفان . وأما إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ، فقد كان أكثر من سابقيه تأثيرا في توجيه الناس واكتساب إيمانهم وثقتهم به . ولكنه مع ذلك لم يستطع الوصول بالأمة إلى المستوى المطلوب في العدل المطلق . حسبنا من ذلك أنه في أول عهده ألقي في النار ولم يكن يوجد في المجتمع شخص معترض أو مستنكر ولو من الناحية الانسانية المحضة ! . . . ثم أنه بعد فترة غير قليلة من نبوته ، وضع زوجته وولده في واد غير ذي زرع ، ولم يكن لديه شخص مخلص يضمه إليهما يدفع عنهما ألم الجوع والعطش وخوف السباع والهوام . فاكتفى إبراهيم ( ع ) بالدعاء لهما وتركهما وذهب . فكان اللّه تعالى حافظا لهذه الأمانة التي أودعت عنده ، فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم . ولولا ذلك لكانا من الهالكين . وأما الأمة التي بعث فيها موسى بن عمران عليه السلام ، فحدث عنها ولا حرج ، من حيث التمرد على نبيها وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه دينها . وكان المنطق القائل : اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ « 2 » . هو المسيطر على أذهانهم ومعنوياتهم . . . فهم على غير استعداد أن يبذلوا أي شيء في سبيل نبيهم وعقيدتهم . وأما عبادتهم للعجل ردحا من الزمن ، ومطالبتهم برؤية اللّه تعالى جهرة ، ومراجعتهم في شأن البقرة التي أمروا بذبحها ، وغير ذلك من الحوادث . . . فهي أوضح من أن تذكر .
--> ( 1 ) نوح 71 / 5 - 7 . ( 2 ) المائدة : 5 / 34 .